ماذا يعني فوز عبد الرحمن بالترشيح لمجلس الشيوخ؟ | ولماذا سيُزعج حكومة مصر كما أزعج إسرائيل واللوبي
أخيرًا، تأكدت اليوم نتائج فرز الأصوات للانتخابات التمهيدية أمس في ولاية ميشيغان، بفوز د. عبد الرحمن محمد السيد، المعروف أمريكيًا باسم عبدول السيد، بأحقيته في ترشيح الحزب الديمقراطي له في انتخابات نوفمبر (وتُجرى بعد ثلاثة أشهر) لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي (بأعضائه المائة)، منتصرًا في تلك المعركة داخل الحزب على المرشحة هيلي ستيفنز التي كانت تفضلها وتدعمها قيادات الحزب ومنهم حاكمة الولاية، والتي دعمها بقوة اللوبي الصهيوني إيباك بتبرعات لحملتها بنحو 40 مليون دولار، بجانب تبرعات رجال أعمال آخرين، بحيث وصل مجموع التبرعات المالية للمرشحة المدعومة إسرائيليًا قرابة 70 مليون دولار، أغلبها إعلانات ضد عبدول، أما مجموع التبرعات التي وصلت عبدول الفائز فلم تتجاوز 7 ملايين دولار فقط، بعضها كان من مواطنين بخمسة دولارات من كل منهم، ولكن الأهم التزامهم بالذهاب للتصويت لصالحه.
والنتيجة لصعوبة المنافسة غير المتكافئة ماليًا أن فارق الفوز كان أقل من 15 ألف صوت لصالح عبدول، من مجموع ناخبين شاركوا يزيد عن مليون ونصف المليون أمريكي من ولاية ميشيغان.
ورغم أن ميشيغان بها أكبر تجمع لعرب أمريكا، خصوصًا في مدينة ديربورن، لكن المفارقة (تعديل وتحديث) أنه فاز على هيلي ستيفنز بفارق ضئيل حتى في فرز أصوات مقاطعة وين التي تقع داخلها ديربورن «عاصمة العرب الأمريكيين»، وكان يُفترض أن يصوتوا له بأغلبية ساحقة!
بينما أكبر كتلة ساعدت عبدول البالغ من العمر 41 سنة كانت فئة الشباب الذين يريدون التغيير ضد حزبهم الخاضع لنفوذ اللوبي ورجال الأعمال، وبالتالي صوّت له شباب ميشيغان بفارق 20 نقطة عن الفئات العمرية الأكبر سنًا التي فضلت هيلي.
وُلد عبد الرحمن في ولاية ميشيغان، شأن منافسته هيلي، لكن أهلها وأجدادها من الولاية ومن أمريكا كما كانت تتفاخر، بينما والد عبدول من مواليد الإسكندرية، وهو المهندس المهاجر المصري محمد السيد، وأنجب عبد الرحمن من زوجته السابقة فاتن الكومي التي هاجرت معه، وتعمل حاليًا ممرضة بالولاية.
د. عبد الرحمن يمثل قصة تفوق ونبوغ منذ صغره، فلم يكلف والده في التعليم الجامعي الأمريكي الباهظ الرسوم. فقد حصل عبدول على منحة دراسية لتفوقه بجامعة ولاية ميشيغان ونال منها شهادة البكالوريوس، ثم حصل على منحة رودس العالمية المرموقة ليحصل على الدكتوراه من جامعة أوكسفورد البريطانية في الصحة العامة، وبعدها درس بمنحة أخرى بكلية الطب والصحة العامة بجامعة كولومبيا الأمريكية، لكنه رغم ذلك لم يشأ الحصول على شهادة ممارسة الطب من النقابة المهنية الأمريكية، مفضلًا العمل في مجال الصحة العامة ومكافحة الأوبئة، وشغل منصب مدير إدارة الصحة العامة بولايته. وقبلها، دخل الانتخابات وعمره 33 سنة من أجل الفوز بمنصب حاكم ولاية ميشيغان، لكنه خسر الانتخابات الأولية في عام 2018 لترشيح الحزب الديمقراطي.
حجة زعامات وقواعد الحزب الديمقراطي التي لم تساند عبدول في هذه الانتخابات أنه متطرف وراديكالي في مواقفه وآرائه وهو على يسار الحزب، مما يجعل مرشح الحزب الجمهوري أفضل فرصة في الفوز خلال الانتخابات العامة.
ويعطون أمثلة على ذلك بأن الذين دعموه هذه المرة كانوا من خصوم اللوبي الصهيوني والمعادين لإسرائيل في الكونغرس، مثل السناتور المستقل بيرني ساندرز (وهو يهودي أمريكي)، وكذلك النائبة رشيدة طليب من ميشيغان، وهي من أصل فلسطيني، والنائبة إلهان عمر (المهاجرة من الصومال).
في مقابلاته خلال هذه الحملة لانتخابات مرشح الحزب الديمقراطي ضد المرشح الجمهوري للمقعد (مايك روجرز)، أكد عبدول أكثر من مرة أنه ليس ضد إسرائيل أو غيرها، بل ضد نفوذ أي دولة أجنبية من خلال لوبي مثل إيباك يؤثر بشدة على السياسة في أمريكا.
وأكد أنه لا يمكن قبول تقديم دعم ومعونة لبلد آخر قبل أن تذهب أولًا للفقراء الأمريكيين بالولاية وغيرها ومن ليس لديهم تأمين صحي، موضحًا أن دولة قام جيشها بإبادة جماعية في غزة ودفع رئيس وزرائها وحده، واسمه نتنياهو، بخداعه رئيس أمريكا ترامب، إلى حرب فاشلة وقتل الأبرياء في إيران، لا يمكن أن تحصل على أي دعم طالما تخالف القانون الدولي.
وفي مقابلته الأخيرة منذ ثلاثة أيام لصحيفة ديترويت فري برس (الرابط بأول تعليق)، أوضح عبدول أنه صاحب مبدأ وليس مع طائفة أو بلد أو دين ضد آخر، وقال إن ما يُعرف «بقانون ليهي» الذي تبناه السناتور الديمقراطي السابق باتريك ليهي يحظر تقديم أي معونة أمريكية لأي بلد ينتهك حقوق الإنسان وأي نظام لا يحاسب الأجهزة الأمنية والمسلحة لديه التي ترتكب تلك الجرائم ضد شعبها أو غيره من الشعوب.
وبالتالي، أضاف عبدول السيد، يقول عن بلد والده ودول إسلامية أخرى، إن لم تكن تحصل على معونة فهي تحصل على أسلحة أمريكية متقدمة:
«أنا أنطلق في هذا الموقف من مبدأ. لن أتعامل مع الأموال التي تُنفق على إسرائيل بطريقة تختلف عن تعاملي مع الأموال التي تُنفق على مصر. فأنا لا أعتقد أنه ينبغي لنا أن نرسل أموالًا إلى أيٍّ منهما. فمصر هي ثاني أكبر متلقٍّ للمساعدات العسكرية الأجنبية. وإذا أردتم أن نبدأ من هناك، فلنبدأ من هناك. لا أريد أن أرى أموال الضرائب التي أدفعها تُستخدم لفرض قبضة خانقة على الشعب المصري من خلال ديكتاتورية عسكرية، وهو ما يحدث في مصر. وبالمثل، لا أريد أن تُستخدم أموالي في دعم نظام فصل عنصري أو إبادة جماعية. أريد أن تُستخدم أموالي في توفير الفصول الدراسية للأطفال، والمدارس الجيدة، والرعاية الصحية هنا في ولاية ميشيغان. ولذلك فإنهم يجعلون أنفسهم أحد أهم اللاعبين في سياستنا الداخلية.»
سألته الصحفية: وما المعيار الذي تحكم به...؟ فأجاب:
«...إذا كان هناك غرض مشروع بموجب القانون الدولي لتقديم مساعدات عسكرية، كما هو الحال في أوكرانيا (التي تعرضت لغزو روسي غاشم)، فهذا هدف يستند إلى القانون الدولي ونعمل مع حلفائنا على دعمه. أما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل أو مصر أو السعودية أو الأردن أو باكستان، أو أي دولة أخرى نقدم لها مساعدات عسكرية أجنبية غير مشروطة، فأعتقد أن ذلك ينبغي ألا يتم إلا إذا كان قانونيًا.»
واستند عبدول بذلك إلى قانون ليهي، الذي يربط المعونة الأمريكية باحترام الدولة لحقوق الإنسان في التعامل مع مواطنيها. وهو الفصل الذي حاول من قبل السناتور الديمقراطي المعزول روبرت منينديز تجاوزه في مجلس الشيوخ بالدفاع عن سجل مصر في حقوق الإنسان، وأدانه القضاء الأمريكي لاحقًا وحكم بسجنه مع زوجته لتلقيهما رشاوى من مصر للتغطية على الاتهامات ضد حكومتها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
كما سبق للوبي الصهيوني إيباك، ليس فقط الدفاع عما تفعله إسرائيل من جرائم حرب، بل ودافع ضد إدارة أوباما في 2013 عن إطاحة الجيش في مصر برئيس منتخب، ومنع تنفيذ قانون ليهي ضد مصر بعدها في فترتي أوباما وبايدن.
وسؤالي هنا: هل معنى ذلك أن خصوم عبدول في الانتخابات العامة المقبلة ضد المرشح الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من ترامب، لن يقتصروا على دعم وتمويل المنافس ضده والمدعوم من اللوبي الصهيوني إيباك وإسرائيل، ليشمل خصومه مؤيدي مصالح هذه الدول العربية والإسلامية التي تحدث عنها وتشمل مصر والسعودية والأردن وباكستان؟
سننتظر نتيجة انتخابات نوفمبر، ونتابع قبل الانتخابات كيفية تغطية الإعلام المصري والسعودي والعربي الموجه لحملة عبد الرحمن ليصبح أول عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي!
ملاحظة تحريرية من مهجر بوست: [إشارات الزمن في النص (اليوم، أمس، قبل ثلاثة أيام، ثلاثة أشهر) تعود إلى تاريخ النشر الأصلي في 5 أغسطس 2026.] نُشر نص الكاتب كما ورد بعد تدقيق لغوي فقط. وللتوثيق: نال د. السيد بكالوريوسه من جامعة ميشيغان في آن آربر (وليس جامعة ولاية ميشيغان)، وشغل منصب مدير الصحة العامة في مقاطعة وين ومدينة ديترويت (وليس على مستوى الولاية). وتُظهر النتائج الرسمية لمقاطعة وين تقدم ستيفنز فيها بنحو 51% مقابل 45% للسيد، خلافًا لما ورد في المقال. والأرقام الموثقة للإنفاق في السباق هي نفقات خارجية مستقلة (أكثر من 30 مليون دولار من لجنة مرتبطة بإيباك، وأكثر من 52 مليون دولار إجمالًا أغلبها لصالح ستيفنز، وفق ديترويت فري برس)، وليست تبرعات مباشرة لحملتها؛ ولم نتمكن من توثيق رقم 7 ملايين دولار لحملة السيد ولا فارق 20 نقطة بين الشباب، فيما رصد تحليل لصحيفة واشنطن بوست تقدم السيد بـ24 نقطة في المقاطعات الأكثر شبابًا. وأخيرًا، تخلو عبارة الكاتب الختامية من التحديد؛ فالسيد، في حال فوزه في نوفمبر، سيكون أول عضو مسلم (عربي أمريكي) في مجلس الشيوخ الأمريكي.
نُشر هذا المقال أولًا على فيسبوك في 5 أغسطس 2026. نُشر في مهجر بوست في 18 أكتوبر 2026.
