بوليفار وترامب.. جنرال وتاجر في متاهة واحدة
جميعنا نذكر البطل اللاتيني الإشكالي سيمون بوليفار الذي اتخذه الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز موضوعا لإحدى رواياته "الجنرال في متاهته". لقد انتهت أحلام بوليفار الكبيرة جدا إلى جملة قصيرة جدا، كخنجر مسموم: "لقد حرثنا البحر".
لا أدري لماذا تسيطر علي في الفترة الأخيرة هذه الجملة وقائلها كلما رأيت الرئيس الأميركي متحدثا أمام الصحفيين في حديقة البيت الأبيض أو أمام جماهيره في رحلاته الانتخابية المكوكية، أو- وهذا هو الأهم- وهو يهاجم خصومه من السياسيين والمسؤولين السابقين والحاليين أيضا.
لقد بات ترامب في متاهة أكثر قسوة من تلك التي عاناها الجنرال اللاتيني في القرن التاسع عشر؛ كان بوليفار يحلم بقارة لاتينية واحدة، براية واحدة ونشيد واحد وحكومة مركزية واحدة، ولم يجد سبيلا لذلك إلا الحكم الاستبدادي، ورغم أنه كان يسعى لترسيخ نفسه "محررا" للشعوب اللاتينية، لكنه هو نفسه من علق العمل بالدستور وأعلن نفسه ديكتاتورا بصلاحيات مطلقة "لإعادة النظام". وفي سبيل ذلك طارد بوليفار في متاهته الخاصة كل من خالفوه، من الليبراليين إلى المثقفين والنخب. لقد تاه بوليفار في أوهامه السياسية قبل أن يعيش أيامه الأخيرة في متاهته- التي رسم ملامحها ماركيز في روايته- على نهر ماغدالينا باتجاه الساحل الكاريبي.
المسار نفسه تقريبا يتخذه الرئيس الأميركي ترامب، والذي يبدو أنه يتجه إلى المتاهة نفسها التي دخلها الجنرال بوليفار. كثر أعداء ترامب داخل أميركا وخارجها، وأشعل الغضب والكراهية في كل زاوية من زوايا العالم، لكن الفارق بين الجنرال الفنزويلي والتاجر الأميركي يكمن في أمرين، أولهما أن الإسلام والمسلمين لم يكونا من بين الأشباح التي طاردها سيمون بوليفار، لكنهما من بين "أخطر الأشباح" التي لا يتوقف التاجر الأميركي عن ذكرهما أو الإشارة إليهما ليل نهار، بداية من معالجته لقضية الهجرة في الولايات المتحدة، وليس انتهاء بالترهيب السياسي الذي يقوده ضد سياسيين مسلمين من أصول عربية ليست إلهان عمر أولهم، ولن يكون عبدول السيد آخرهم.
أما الفارق الثاني بين الجنرال والتاجر، أن بوليفار وعلى الرغم من اشتغاله طوال حياته وسط عالم من المؤامرات السياسية، لكنه لم يكن محاطا برؤساء جمهورية محتملين كالذين يحيطون بالتاجر الأميركي، سواء من المعارضين له أو ممن "يوالونه". فترامب الذي يرى نفسه أهم رئيس أميركي دخل المكتب البيضاوي على الإطلاق، يحيط به في إدارته رئيسان محتملان على الأقل، جيه دي فانس من جهة، وماركو روبيو من الجهة الثانية. في الوقت الذي يواجه فيه سياسيين من جيل جديد لا يعرفهم تماما، مثل ممداني وعبدول وغيرهما الكثير. ومن اللافت أن كل هذه المعارك التي يفتحها ترامب ولا يغلقها ويصرخ صباح مساء على مسرحها، لا يجد تشجيعا من أبرز رجلين في إدارته اللذين يكتفيان تقريبا بالتعليق على أحداث الشرق الأوسط. ويتركان رئيسهما يطارد أشباحا من أزمنة يبدو أن المواطن الأميركي شارف على تجاوزها، مثل: "الصومال" و"الجهاد" و"الشيوعية"، وغيرها من الحجارة التي يقذف بها معارضيه ومعارضي سياساته. لذلك كان طبيعيا أن تكون شعبيته قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي في أدنى مستوياتها على الإطلاق (31 في المئة)، بل أدنى من بايدن (38 في المئة) الذي ناله الحظ الأوفر من تنمر تاجر البيت الأبيض.
وعلى الرغم من معرفتي بأن بوليفار ما زال له معجبون في العالم حتى الآن، لكنني ممن يرونه ديكتاتورا سعى وراء مجد شخصي، مدمرا في سبيل سعيه هذا آمالا بحياة حرة كريمة لشعوب قال كثيرا إنه يريد رفاهها وكرامتها. لكنني مع ذلك أعتذر لهؤلاء لأنني شبهت بطلهم الأسطوري بتاجر يفتخر بالقرصنة ولا يرى في العالم إلا نفسه.
وأخيرا، لا أراني مبالغا إن قلت إن ترامب يتجه بكلتا قدميه إلى النفق نفسه الذي دخله الجنرال الفنزويلي قبل نحو قرنين من الآن، في الأشهر السبعة الأخيرة من حياته: وحيدا.. مريضا.. نرجسيا.. متهما بمحاربة الإرث الديمقراطي لبلاده. ولا أظن حتى أنه سيحظى بتمثال كالذي يضعه الأميركيون لسيمون بوليفار على بُعد 1300 متر من غرفة ترامب في البيت الأبيض.
نُشر في مهجر بوست في 23 أكتوبر 2026.
